التفاصيل الكاملة للخطة الأمريكية بالتعاون مع قيادات في فتح على رأسها محمد دحلان لإشعال نار الفتنة الفلسطينية الداخلية للإطاحة بحركة حماس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية كما نشرتها مجلة فانيتي فير..
بعد عجزه عن توقع فوز حماس على فتح في انتخابات 2006 الفلسطينية, تسبب البيت الأبيض في نكبة أخرى سرية ذات طابع مخز وانهزامي في الشرق الأوسط تماثل في جزء منها فضيحة إيران كونترا وفي جزء آخر أزمة خليج الخنازير.
ويكشف ديفد روز في مجلة فانيتي فير التي ستصدر في أبريل/نيسان القادم، بالوثائق السرية التي أثبتها مسؤولون أميركيون سابقون وحاليون كيف أن الرئيس بوش وكوندوليزا رايس ونائب مستشار الأمن القومي إليوت أبرامز أبدوا مساندتهم لقوة مسلحة تحت قيادة رجل فتح القوي محمد دحلان، مشعلين بذلك حربا أهلية دامية في غزة وتاركين حماس أقوى من أي وقت مضى.
"حرب قذرة"
يعد فندق الديرة في مدينة غزة مأوى هادئا في بلد يطوقه الفقر والخوف والعنف. وفي منتصف ديسمبر/كانون الأول 2007، جلست في مطعم الفندق ذي الهواء الطلق بنوافذه المشرعة تجاه البحر الأبيض المتوسط وأنا أصغي لرجل خفيف اللحية يدعى مازن أسعد أبو دن، وهو يصف المعاناة التي تعرض لها قبل 11 شهرا على أيدي رفاقه الفلسطينيين.
وينتمي أبو دن, ابن الـ28 ربيعا إلى حماس، تلك الحركة الإسلامية المدعومة من إيران التي صنفتها الولايات المتحدة جماعة إرهابية, ومع ذلك فلدي سبب مقنع يجعلني أصدق قوله ألا وهو مشاهدتي شريط الفيديو.
فالشريط يظهر أبو دن جاثيا على ركبتيه، يداه مكبلتان وراء ظهره وهو يصرخ بينما يوسعه سجانوه ضربا. في ذلك يقول "انسلخ جلد ظهري كله من الضرب، وبدلا من الأدوية صبوا عطرا في جراحي جعلتني أشعر وكأن سيفا أعملوه فيها".
وفي 26 يناير/كانون الثاني 2007 عندما كان أبو دن طالبا في الجامعة الإسلامية في غزة, ذهب هو ووالده وخمسة آخرون إلى مقبرة محلية لوضع شاهد على ضريح جدته. وما إن وصلوا إلى هناك حتى طوقهم ثلاثون رجلا مسلحا من منظمة فتح وهي خصم لحماس وتتبع للرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ويظهر شريط الفيديو غرفة جرداء ذات جدران بيضاء وأرضية بلاطها بالأبيض والأسود حيث أجبر والد أبو دن على الجلوس ليسمع تأوهات ابنه من الألم.
وبعد ذلك, يقول أبو دن, إنه اقتيد هو واثنان معه إلى ساحة السوق "أخبرونا بأنهم سوف يقدمون على قتلنا ثم أرغمونا على الجلوس على الأرض". وشمر عن ساقي بنطاله ليرينا آثار القروح الدائرية التي تقف شاهدا على ما حدث بعد ذلك "أطلقوا النار على ركبنا وأقدامنا -وكان نصيب كل واحد خمس طلقات- وأمضيت أربعة أشهر بعدها على كرسي متحرك".
وما كان لأبو دان أن يعرف أن لمعذبيه حليفا خفيا يتمثل في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش.
ويأتي الخيط عند نهاية الشريط الذي عثر عليه مقاتلو حماس في يونيو/حزيران الماضي في مبنى تابع لأمن فتح. ويجبر السجناء وهم ما زالوا مكبلين بالأصفاد معصوبي الأعين على ترديد هتاف "بالروح, بالدم نفديك يا محمد دحلان! يعيش محمد دحلان" خلف أحد سجانيهم.
وما من أحد يبغضه أعضاء حماس مثل محمد دحلان, رجل فتح القوي المقيم في غزة. فقد أمضى دحلان, الذي شغل إلى عهد قريب منصب مستشار عباس للأمن القومي, عقدا ونيفا من الزمان في صراع مع حماس. ويصر دحلان على أن أبو دن تعرض للتعذيب دون علمه, لكن شريط الفيديو يقف شاهدا على أن أساليب أتباعه في التعذيب يمكن أن تكون قاسية.
التقى بوش دحلان في ثلاث مناسبات على الأقل، فقد امتدح بوش دحلان على الملأ قائلا إنه "قائد جيد وصلب" وذلك عقب مباحثات جرت في البيت الأبيض في يوليو/تموز 2003. ويقول مسؤولون إسرائيليون وأميركيون إن رئيس الولايات المتحدة وصفه في جلسات خاصة بأنه "رجلنا".
وقد ظلت الولايات المتحدة منغمسة في شؤون الأراضي الفلسطينية منذ حرب الأيام الستة عام 1967، حينما استولت (إسرائيل) على غزة من مصر وعلى الضفة الغربية من الأردن.
ومع اتفاقيات أوسلو عام 1993 نالت تلك الأراضي حكما ذاتيا محدودا تحت إشراف رئيس ذي صلاحيات تنفيذية وبرلمان منتخب. وتحتفظ (إسرائيل) بوجود عسكري كبير في الضفة الغربية, لكنها انسحبت من غزة في 2005.
وفي الأشهر المنصرمة صرح الرئيس بوش مرارا بأن أمنيته الكبيرة الأخيرة في فترة رئاسته هي أن يتوسط من أجل التوصل إلى اتفاق يقضي بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وإحلال السلام في الأرض المقدسة.
وقال مخاطبا حشدا من الناس في القدس في التاسع من يناير/كانون الثاني إن "الناس يتساءلون هل تعتقد أن ذلك ممكن أثناء رئاستك؟ وجوابي هو: أنا مفعم بالأمل فعلا
في اليوم التالي, وفي رام الله عاصمة الضفة الغربية, اعترف بوش بأن ثمة عقبة كبيرة إلى حد ما تقف في طريق تحقيق تلك الغاية ألا وهي سيطرة حماس على غزة, التي يقطنها نحو 1,5 مليون فلسطيني، بعد أن استولت على السلطة هناك في يونيو/حزيران 2007.
وفي كل يوم تقريبا يطلق نشطاء صواريخ من غزة صوب المدن الإسرائيلية المجاورة، ويقف عباس عاجزا عن إيقافهم. ذلك أن سلطته تقتصر على الضفة الغربية.
وأقر بوش بأن "الوضع صعب" وقال "لا أدري إن كان بالإمكان الوصول إلى حل في عام أم لا". على أن ما غفل بوش عن ذكره هو الدور الذي لعبه في إحداث هذه الفوضى.
وطبقا لدحلان, فإن بوش هو من مارس ضغطا من أجل إجراء انتخابات تشريعية في الأراضي الفلسطينية في يناير/كانون الثاني 2006، رغم التحذيرات بأن فتح غير مهيأة لها. وعقب فوز حماس -التي يلزمها ميثاقها للعام 1988 بالسعي لرمي إسرائيل في البحر- وسيطرتها على البرلمان، ارتكب بوش خطأ آخر قاتلا في التقدير.
وقد حصلت فانيتي فير على وثائق سرية, أثبتت صحتها مصادر في الولايات المتحدة وفلسطين, وهي تكشف عن خطة خفية اعتمدها بوش وتولت تنفيذها وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ونائب مستشار الأمن القومي إليوت أبرامز للتحريض على حرب أهلية فلسطينية.
وقضت الخطة بأن تكون القوات التي يتزعمها دحلان, والمدعومة بأسلحة حديثة تم تزويدها بها بناء على أوامر من أميركا, بمنزلة القوة التي تحتاجها فتح للقضاء على الحكومة المنتخبة ديمقراطيا بقيادة حماس. (امتنعت وزارة الخارجية عن التعليق).
غير أن الخطة السرية أتت بنتائج عكسية، إذ تسببت في انتكاسة أخرى لسياسة أميركا الخارجية تحت إدارة بوش. وبدلا من طرد الأعداء من السلطة, قام مقاتلو فتح المدعومون من الولايات المتحدة عن غير قصد باستفزاز حماس للاستيلاء الكامل على غزة.
وتطلق بعض المصادر على الخطة "إيران-كونترا 2" لتعيد إلى الأذهان أن أبرامز كان قد أدين -ثم عفي عنه فيما بعد- لحجبه معلومات عن الكونغرس أثناء فضيحة إيران-كونترا الأصلية إبان حكم الرئيس ريغان.
وهناك أصداء لأحداث أخرى وقعت في الماضي مثل إقدام وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه) عام 1953 على الإطاحة برئيس وزراء منتخب في إيران والتي هيأت الظروف هناك فيما بعد للثورة الإسلامية عام 1979, والغزو الفاشل لخليج الخنازير في 1961 الذي أعطى فيديل كاسترو مبررا لإحكام قبضته على كوبا, ومأساة العراق المعاصرة.
وفي داخل إدارة الرئيس بوش, أثارت سياستها الفلسطينية جدلا صاخبا وكان من بين منتقديها ديفد ويرمسر, الذي يقر بأنه من المحافظين الجدد, والذي استقال من منصبه (كبير مستشاري نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني لشؤون الشرق الأوسط) في يوليو/آذار 2007, أي بعد شهر من انقلاب غزة.
ويتهم ويرمسر إدارة بوش "بالضلوع في حرب قذرة في مسعى منها لمنح النصر لديكتاتورية فاسدة يقودها عباس". وهو يعتقد أن حماس لم تكن تنوي الاستيلاء على غزة إلى أن أجبرتها فتح على ذلك.
ويقول ويرمسر "يبدو لي أن ما حدث لم يكن مجرد انقلاب من حماس بل محاولة انقلابية من فتح جرى استباقها قبل أن تقع".
إن الخطة الخرقاء قد جعلت حلم سلام الشرق الأوسط يبدو أبعد من ذي قبل, إلا أن ما يغيظ المحافظين الجدد حقا من أمثال ويرمسر هو ما تنطوي عليه من نفاق مفضوح.
ويقول "هناك مفارقة مذهلة بين دعوة الرئيس لديمقراطية في الشرق الأوسط وهذه السياسة. إنها تتعارض معها بشكل مباشر".
الأمن الوقائي
لم يكن بوش هو أول رئيس أميركي يقيم علاقة مع محمد دحلان. يقول دحلان "بلى كنت وثيق الصلة ببيل كلينتون. والتقيته عدة مرات مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات".
وعقب اتفاقيات أوسلو عام 1993, رعى كلينتون سلسلة من اجتماعات دبلوماسية بقصد التوصل إلى سلام دائم في الشرق الأوسط, وأصبح دحلان مفاوض الفلسطينيين لشؤون الأمن.
وأثناء حديثي مع دحلان في إحدى فنادق القاهرة ذات الخمس نجوم كان من اليسير ملاحظة السجايا التي ربما جعلت منه شخصية جذابة لدى الرؤساء الأميركيين.
فمظهره نظيف, ولغته الإنجليزية مقبولة, وأسلوبه ساحر ومباشر. ولربما لم تكن لتلك السجايا كبير معنى لو كان ولد لأسرة موسرة. لكن دحلان ولد في 29 سبتمبر/أيلول 1961 بمخيم خان يونس البائس للاجئين في غزة, وتلقى معظم تعليمه من الشارع.
وفي عام 1981 ساعد في تأسيس حركة شباب فتح ولعب لاحقا دورا رياديا في الانتفاضة الأولى –وهي ثورة اندلعت في 1987 ضد الاحتلال الإسرائيلي ودامت خمس سنوات- ويقول دحلان إن إجمالي الفترة التي قضاها في السجون الإسرائيلية بلغت خمسة أعوام.
ومنذ انطلاقها كفرع فلسطيني للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين أواخر 1987, شكلت حماس تهديدا لمنظمة فتح العلمانية التابعة لعرفات.
ففي أوسلو, التزمت فتح علنا بالسعي نحو السلام، في حين واصلت حماس انتهاج المقاومة المسلحة. وفي الوقت ذاته بنت قاعدة من الدعم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |